أحمد بن علي الرازي
70
شرح بدء الأمالي
كما قال الله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] . أي طاقتها ، وأن الاستطاعة التي يعمل بها العبد المعصية وهي بعينها يصلح عمل الطاعة ، وهي تتعاقب في صرف الاستطاعة التي أحدثها الله تعالى فيه ، وأمر بأن يستعملها في الطاعة لا إن حدث المعصية . وقالت الجبرية والمعتزلة : الاستطاعة [ 27 ] التي تصلح للشر لا تصلح للخير . وهذا قريب أيضا من مذهب السوفسطائية « 1 » ، بل عين الخير ؛ لأن استطاعة الشر لا تصلح للخير صارت خيرا في فعل الشر ، هذا حد التكليف لا يظل على الإطلاق . ونرد عليهما بقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي طاقتها ، ففي تكليف ما ليس في الوسع لازما قضية التكليف يتحقق مع العجز ؛ لأن قضية كونه بحال لو أتى به يثاب عليه باعتبار كونه مطيعا ، ولو ترك يعاقب باعتبار كونه عاصيا ، وهذا لا يتحقق مع العجز . وعدم الدلالة فلا تعلق للخصم بالآيات والحديث ؛ لأن ذلك ليس [ تكليف بل هو ] « 2 » إظهار قدرة الله تعالى ، وتعجيز العجز عن ذلك ، وأما الدعاء بوضع ذلك . قلنا : عدم الطاعة على نوعين : نوع بالعجز وعدم القدرة ، ونوع يكون شاقا على البدن مشقة شديدة . ويقال : لا طاقة لي بحمل هذا المتاع ، أي يلحقني تعب ومشقة عظيمة ، والمراد في
--> ( 1 ) السوفسطائية : هي فرقة ينكرون الحسيات والبديهيات والنظريات ، قالوا : لأن الحس يغلط بلفظ كالأحوال يرى الواحد اثنين ، والصفراوي يرى الحلو مرا ، والراكب في السفينة يرى الساحل متحركا ، فلا جزم ، وكذلك لا جزم في البديهيات والنظريات ؛ لاختلاف آراء العقلاء فيها ، وكل يجزم بحقيقة قوله . قال ابن حزم في « الفصل » : ( 1 / 14 ) : ذكر من سلف من المتكلمين أنهم ثلاثة أصناف ؛ فصنف منهم نفى الحقائق جملة ، وصنف منهم شكوا فيها ، وصنف منهم قالوا : هي حق عند من هي عنده حق ، وهي باطل عند من هي عنده باطل . وعمدة ما ذكر من اعتراضهم فهو اختلاف الحواس في المحسوسات : كإدراك المبصر من بعد عنه صغيرا ، ومن قرب منه كبيرا ، وكوجود من به حمى صفراء حلو المطاعم مرا ، وما يرى في الرؤيا مما لا يشك فيه رائيه أنه حق من أنه في البلاد البعيدة ا . ه . انظر : « منهاج السنة النبوية » : ( 1 / 241 ) ، ( 2 / 287 ) ، ( 3 / 55 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفتين مطموس في الأصل وما أثبتناه لعله يكون صوابا .